|








|
|
ربطنا الحديث عن العلم لأنّ العلم
والقضاء كانا مرتبطين أشد الارتباط في ذلك العصر , لاهتمام الناس
بالعلوم الشرعية في المقام الأول , وكان أهل سواكن يقدرون العلماء
والقضاة , ويتسابقون في اقتناء ونسخ الكتب – ولم تكن هناك طريقة
غير النسخ , إذ لم تكن الكتب المطبوعة قد ظهرت , وحتى بعد ظهورها
ظل الكتاب المكتوب باليد أغلى واعز عندهم من الكتاب المطبوع.ويشهد
على ذلك المخطوطات والكتب التي تذخر بها منازل الأسر العريقة فيها
, وعند تهدم البيوت وخراب الجزيرة قام الكثيرون بجمع ما تناثر
لديهم من أوراق و القوها في البحر مخافة أن يدوسها الناس لأن فيها
أسماء الله , أو لأن فيها من القرآن والحديث , والقليلون الذين لم
يلقوا أوراقهم في البحر غير قادرين على تصنيفها وفهرستها , وقد
أحضر لي المرحوم محمد بشير حسن – وقد كان احد محبي سواكن وأبنائها
الأبرار , رحمه الله رحمة واسعة – أحضر لي كمية ضخمة من الأوراق
المخطوطة هي ما تبقى من مؤلفات عالم واحد من قبيلة الحسناب , وكانت
نيته أن نحاول تصنيفها وترتيبها ومراجعتها لعلنا نحصل ولو على كتاب
واحد من مؤلفات ذلك العالم المجهول , ولكن المنية وافته قبل ذلك
رحمه الله , أما الأوراق فأظنها لازالت في مكتبته , نسال الله أن
يقيض لها من أبناء سواكن من يهتم بها وبغيرها من وثائق سواكن .
كان التعليم التقليدي مقتصرا على الفقه الشافعي
والتفسير والحديث وشرح الأجرومية , وكان يتم في الخلاوي والزوايا
والمساجد . في بواكير الصبا يدرس الطلاب – اثناء حفظهم للقرآن في
الخلاوي – يدرسون ( عقيدة العوام ) وهي منظومة في العقائد للأطفال ، و
"سفينة الصلاة " وهي مختصر في احكام الصلاة على المذهب الشافعي , ومن
اكملها درس " سفينة النجاة " وهي مختصر في العبادات. ولست ادري هل جاءت
تسمية الكتابين بالسفينة صدفة أم انهما قد كتبا لأهل سواكن خاصة ، ومن
اكمل السفينتين درس ( المقدمة الحضرمية ) وهو كتاب في أحكام العبادات
أيضا ولكنه موسع ، ثم يدرس الدارس منهم "متن أبى شجاع " وهو متن الغاية
والتقريب المشهور عند الشافعية. ومن زاد على هذا وقرأ " منهاج الطالبين
" أعتبر فقيها ونظر إليه بأحترام. أما من أراد أن يزيد على ذلك ويصير "
عالما " فما كان أمامه إلا السفر إلى زبيد باليمن ، أو إلى الأزهر. ولم
يكن هذا النوع من التعليم مقتصرا على الذكور فقط ، إذ منّ الله على أهل
سواكن بالفقيهات , وهن نساء يتولين
تدريس البنات وتحفيظهن القرآن, وما أكثر نساء
السواكنية اللاتي يجدن القرآن دون الالتحاق بأي مدرسة.!

في سنة 1892 أفتتح المبشرون النمساويون مدرسة قصدها
بعض الطلاب , ولكنهم بدءوا في الاختفاء واحدا بعد الآخر عندما شاهدوا
الرسومات المسيحية , حتى كانت سنة 1901 فقفلت أبوابها ومبناها يقع في
الشمال الغربي بساحل جزيرة سواكن ويسميه الأهالي " الكنيسة "
مدرسة سواكن الأميرية أنشئت سنة 1895 واشترك تلاميذها
في امتحان الابتدائي بالقاهرة , وفي سنة 1921 أقفلت المدرسة نهائيا
لخلو المدينة من السكان الذين غادروها إلا بقية من سكانها الأصليين
المتمسكين بها.
الآن : توجد بعض المدارس الأساسية فقط! ويقوم طلاب
جامعة الخرطوم بعمل بعض الأبحاث المتعلقة بالبحر والأحياء المائية في
جزيرة " سنقنيب " .
القضاء
كان أهل سواكن - وأهل بواديها القريبة - يتحاكمون إلى
قضاة من أهلها ممن عرفوا بالعلم والعدل والفضل , وكانوا يرضون
بأحكامهم وينفذونها لا خوفا من سلطة وإنما إيمانا منهم بأن أحكامهم هي
شرع الله , وكانت الأحكام كلها _ ما يتعلق منها بالعبادات كرؤية الهلال
, وما يتعلق بالمعاملات والأحوال الشخصية _ كلها تجري وفق المذهب
الشافعي . ولكن مع تزايد أهمية سواكن أحس السلطان العثماني
بأهمية أن تكون في سواكن محكمة تحكم بمذهب الدولة - وهو المذهب الحنفي
- فكان أن أرسل إلى قاضي مكة المكرمة أمرا بأن ينشئ محكمة شرعية في
سواكن , وأن تكون على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان. ولقد
أعرضنا عن إيراد نص الوثيقة لطولها , وهي لا تزال محفوظة عند أحفاد
القاضي المذكور.
اعترض أهل سواكن على نظام المحاكم الشرعية - لأنه على
مذهب أبى حنيفة - بينما تمسك القاضي الذي وقع الاختيار عليه -
وهو الشيخ عمر محمد محي الدين بن احمد بن محمد القملي - تمسك
بحرفية الفرمان , وتشدد في أن يكون كل شيء على مذهب أبي حنيفة , فوقعت
مشادة عنيفة بينه وبين قائمقام سواكن فعزله عن القضاء. رفع القاضي
الأمر إلى قاضي مكة المكرمة, وهذا بدوره رفعه إلى والي الحجاز الذي أمر
قائمقام جدة بكتابة الأمر التالي إلي محافظ سواكن :
قدوة الأماجد والأعيان , رفيع الشان , المكرم
المحترم حالا قائمقام بندر سواكن الحاج محمد آغا , زيد مجده
بعد التحية والتكريم , والمعزة والتسليم , تحيطون
علما - لا خافيكم - من خصوص الشيخ عمر أفندي محي الدين - قاضي قضاة
سواكن سابقا- فالمذكور رجل صالح من ذوي البيوت , ومن قديم الزمان قائم
بخدمة الشريعة النبوية , و إجراء مراسيم أحكام الطريقة السنية
المصطفوية. وهو أهلا ومحلأ في تلك الجهات إلى هذه الخدمة الشرعية .
والآن بلغنا أنه بين تعاديه ببعض أهل السؤ عزل , ففي حال وصول كتابنا
وأمرنا إليكم , وفهمتم ما فيه مسطور في أثناء السطور تشملوه بحلول
أنظاركم وتؤيدوه وتقيموه في خدمته كما كان من غير توقف ولا إمتحان.
وأنت يا شيخ عمر أفندي محي الدين تكون في خدمتك مقيم على الصراط
المستقيم . وتكون موافق قائمقام المذكور في كافة الأمور , وبالك أن
يحوز على الرعايا ويقع منك قصور . وهذا وصل هذا الأمر إليكم اعملوا بما
فيه. والحذر ثم الحذر من الخلاف , واعتمدوا ختمنا ومهرنا والسلام.
حرر في 23 جمادى الأولى سنة 1196هـ
(الختم)
محمد كبير قائمقام بندر جدة
حالا
فأستأنف الشيخ عمر عمله ولكن يبدو أن أهل سواكن لم
يعجبهم أبدا أن يكون القاضي حنفيا - فبعد 30 عاما عزلوا ابنه - الشيخ
عبد القادر عمر- فأرسل إليهم المنشور التالي :
منشور عام
خطابا إلى
أهالي بندر
سواكن , العلماء والفقهاء , الأكابر و الأعيان , التجار
والأصناف , فليحيطون علما بأنه بحسب قواعد القديمة ,
ونظاماة المستديمة , القاضي الذي يجلس في ديوان الشريعة لم يكن
من غير سلالة مذهب الحنفية وبما أن سعادة أفندينا ولي النعم
المعظم دام أجلاله ,سابقا اختار حامل مرسومنا هذا الشيخ عبد
القادر , ولبسه قاضيا على بندر سواكن , وكذلك نحن من بعد ما
استفحصنا وتدققنا على المذكور , فلم رأينا منه صدر أمر مخالف
للشريعة يستحق بها العزلة. فمن بعد تحقيقنا ذلك يوم تاريخه
ألبسناه كورك القضاوة وجعلناه قاضيا على بندر سواكن . فالواجب
واللازم على الكل في متوللي بندر المذكور يكن مطيعا لأمره
سامعا لقوله . والآن متوجه صحبة قائمقامنا المرسول من طرفنا
حسين أفندي فليكن معلوما عندكم والسلام.
الختم في
3محرم 1236هـ
ياخفي الألطاف نجنا مما نخاف عبد رستم أغا
أمال
وقد استمر أبناء وأحفاد القاضي المذكور في دراسة
المذهب الحنفي والقضاء به حتى قيام المهدية .
|